التعليم والعدالة الاجتماعية

التعليم والعدالة الاجتماعية

اتسعت دائرة الضوء حول ملف يوجد دائما في واجهة الاهتمامات والأحداث، نظرا لأهميته الاستراتيجية وارتباطه بحاضر ومستقبل المغرب، إنه ملف التعليم، الذي كشفت دراسة أنجزها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وقدمها أول أمس بالرباط. من بين المعطيات التي تضمنتها الدراسة أن 98 بالمئة من تلاميذ القطاع العمومي، ينحدرون من أسر فقيرة أو متوسطة. وهو رقم له عدة دلالات، ويطيح باقتراحات، وتصورات، وتوصيات نسجتها بعض الأطراف، ودافعت، وروجت لها ، واعتبرت أنها إحدى سبل تطوير التعليم، وتتمثل في إلغاء المجانية، وفرض رسوم على المتمدرسين، خاصة في سلكي الثانوي والجامعي.
إن خطورة هذا المعطى، الذي استنتجه المجلس من خلال دراسة عينة، تشمل حوالي 34 ألف تلميذ، تتمثل في أن المؤسسة التربوية العمومية بالمغرب، تستوعب زهاء 95 % من التلاميذ المتمدرسين.وباعتبارها رافعة أساسية لتعميم المعرفة، وتنشئة الأجيال المستقبلية، فإن فقر العائلات، يشكل بصيغة أو أحرى عائقا في تحقيق هذه الأهداف، بالشكل المطلوب، كما أنه معطى يعمق الهوة من جهة بين فقراء التعليم وأغنيائه، وبين القطاعين العمومي والخاص، من جهة أخرى. وطبيعة هذه الهوة، تكمن في الخلل الفظيع، الذي يطال تكافؤ الفرص في التمدرس، وبالتالي في التشغيل، وفي احتكار إنتاج النخب.
هذا المعطى الجديد، له تأثير مباشر على إمكانيات مواصلة تعليم مئات الآلآف من التلاميذ، خاصة أولائك الذين تضطر عائلاتهم إلى الإنفاق عليهم، كي يصلوا إلى المؤسسات التعليمية، نظرا للمسافة بين محل السكن ومكان الدراسة .وهي تكاليف -غالبا ما- يبتلعها الكراء والمواصلات، إضافة إلى صعوبة توفير شروط مادية للمساعدة على التحصيل الدراسي سواء داخل المدرسة أو البيت …لكن بالرغم من هذه المشاكل، فإن هناك إرادة لدى المتمدرسين في المؤسسة العمومية، كي يعاندوا واقعا، ويتحدوا حواجزَ، ويحققوا آمالا في النجاح والتخرج…
ومعلوم أن الانقطاع عن مواصلة الدراسة، يشكل معضلة حقيقية ببلادنا، واختلالا جوهريا في منظومة التربية والتكوين ما بين المراحل الابتدائية والثانوية، إذ توضح الإحصائيات أنه لا يلتحق من مجموع 100 تلميذ يتمدرسون بالسنة الأولى في السلك الابتدائي سوى 13 فردا بأقسام الباكالوريا.
ومن تداعيات ذلك كذلك، وحسب المعطيات الرسمية الصادرة عن المجلس الأعلى للتعليم، فإن الفشل الذي يلازم المؤسسة المدرسية المغربية، يكلف سنويا 9 مليار درهم، تنتج منها 3 ملايير درهم عن الهدر المدرسي و6 ملايير درهم عن الرسوب في السنوات الدراسية.
إن معالجة ملف التعليم إذن، لها ارتباطات عدة، ففضلا عن المواثيق والاستراتيجيات والمخططات، هناك المستوى المعيشي للمواطن المغربي، والذي ليس سوى تعبير عن سؤال العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة. وهنا تطرح ضرورة التقليص من الفوارق المجالية والاجتماعية، على مستوى الولوج إلى الخدمات التربوية، بوصفها حقا أساسيا من حقوق المواطنة، وذلك عبر تبني خريطة عمومية مدققة تمنح الأولوية للفئات الاجتماعية المتضررة، وللمناطق والمجالات الترابية غير المستفيدة.

شارك